أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
506
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ل « فَتْرَةٍ » على أن معنى « مِنَ » ابتداء الغاية أي : فترة صادرة من إرسال الرسل . قوله : « أَنْ تَقُولُوا » مفعول من أجله ، فقدّره الزمخشري : « كراهة أن تقولوا » . وأبو البقاء : مخافة أن تقولوا ، والأول أولى . وقوله : « يُبَيِّنُ » يجوز ألّا يراد له مفعول البتة ، والمعنى : يبذل لكم البيان ، ويجوز أن يكون محذوفا : إمّا لدلالة اللفظ عليه وهو ما تقدّم من قوله : « يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً » « 1 » وإمّا لدلالة الحال أي : يبيّن لكم ما كنتم تختلفون فيه . و « مِنْ بَشِيرٍ » فاعل ، زيدت فيه « مِنَ » لوجود الشرطين و « لا نَذِيرٍ » عطف على لفظه ، ولو قرىء برفعه مراعاة لموضعه جاز . وقوله : « فَقَدْ جاءَكُمْ » عطف على جملة مقدرة أي : لا تعتذروا فقد جاءكم . وما بعد هذا من الجمل واضح الإعراب لما تقدم من نظائره . قوله تعالى : عَلى أَدْبارِكُمْ : حال من فاعل « تَرْتَدُّوا » أي : لا ترتدّوا منقلبين ، ويجوز أن يتعلّق بنفس الفعل قبله ، وقوله : « فَتَنْقَلِبُوا » فيه وجهان : أظهرهما : أنه مجزوم عطفا على فعل النهي . والثاني : أنه منصوب بإضمار « أن » بعد الفاء في جواب النهي ، و « خاسِرِينَ » حال . وقرأ ابن محيصن هنا وفي جميع القرآن : « يا قَوْمِ » مضموم الميم ، ويروى قراءة عن ابن كثير ، ووجهها أنها لغة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كقراءة : « قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ » « 2 » ، وقد بيّنت هذه المسألة قبل ذلك . وقرأ ابن السّميفع : « يا قومي ادخلوا » بفتح الياء . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 22 إلى 26 ] قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) قوله تعالى : فَإِنَّا داخِلُونَ : أي : فإنّا داخلون الأرض حذف المفعول للدلالة عليه . قوله تعالى : مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ : هذا الجارّ والمجرور في محل رفع صفة ل « رَجُلانِ » ، ومفعول « يَخافُونَ » محذوف ، تقديره : يخافون اللّه أو يخافون العدوّ ، ولكن ثبّتهما اللّه تعالى بالإيمان والثقة به حتى قالوا هذه المقالة ، ويؤيّد التقدير الأول التصريح بالمفعول في قراءة ابن مسعود : « يخافون اللّه » ، وهذان التأويلان بناء على ما هو المشهور عند الجمهور من كون الرجلين القائلين ذلك من قوم موسى وهما يوشع وكالب ، وقيل : الرجلان من الجبارين ، ولكن أنعم اللّه عليهما بالإيمان حتى قالا هذه المقالة يحرّضونهم على قومهم لمعاداتهم لهم في الدين ،
--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآية ( 15 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 112 ) .